الغزالي
157
إحياء علوم الدين
لها إليك عنّى ثمّ رجعت فقالت إنّك إن أفلتّ منّى لم يفلت منّى من بعدك « وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] » يا عجبا كلّ العجب للمصدّق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور « وروى [ 2 ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على مزبلة ، فقال » هلمّوا إلى الدّنيا « وأخذ خرقا قد بليت على تلك المزبلة ، وعظاما قد نخرت ، فقال » هذه الدّنيا « وهذه إشارة إلى أن زينة الدنيا ستخلق مثل تلك الخرق ، وأن الأجسام التي ترى بها ستصير عظاما بالية وقال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] » إنّ الدّنيا حلوة خضرة وإنّ الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون إنّ بني إسرائيل لمّا بسطت لهم الدّنيا ومهّدت تاهوا في الحلية والنّساء والطَّيب والثّياب « وقال عيسى عليه السلام لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم عبيدا . اكنزوا كنزكم عند من لا يضيعه ، فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفة ، وصاحب كنز الله لا يخاف عليه الآفة وقال عليه أفضل الصلاة والسلام ، يا معشر الحواريين ، إني قد كببت لكم الدنيا على وجهها فلا تنعشوها بعدي . فإن من خبث الدنيا أن عصى الله فيها وإن من خبث الدنيا أن الآخرة لا تدرك إلا بتركها ، ألا فاعبروا الدنيا ولا تعمروها ، واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا ، ورب شهوة ساعة أورثت أهلها حزنا طويلا . وقال أيضا ، بطحت لكم الدنيا ، وجلستم على ظهرها ، فلا ينازعنكم فيها الملوك والنساء . فأما الملوك فلا تنازعوهم الدنيا ، فإنهم لن يعرضوا لكم ما تركتموهم ودنياهم . وأما النساء فاتقوهن بالصوم والصلاة . وقال أيضا ، الدنيا طالبة ومطلوبة ، فطالب الآخرة تطلبه الدنيا ، حتى يستكمل فيها رزقه . وطالب الدنيا تطلبه الآخرة ، حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه